الذاتُ الإسلاميّة أساسُ النهضة

غلاف مقال — تاريخ وحضارة — موقع متدبرون

حين يُطرح سؤالُ النهضة على المسلمين، يُطرح معه سؤالٌ أسبقُ منه : من أين ننطلق؟ والجوابُ الذي تقوم عليه هذه المقالة أنّ الذات الإسلامية هي أساس النهضة، وأنّ أوّل أصول النظر الصحيح هو «الانطلاق من الإسلام».

لماذا الانطلاق من الإسلام؟

لأنّ وجود النموذج ضرورةٌ من ضرورات العلوم؛ فلا يستقيم بحثٌ ولا بناءٌ بغير مرجعيّةٍ حاكمة. ولأنّ المسلم لا يسعه أن يتّخذ منهجًا غير الإسلام. ثمّ لأنّ الإسلام — من حيث هو دينٌ ربّانيّ ونموذجٌ معصوم — يمنحنا من العلم والهدايات ما يحسم أمورًا تبقى بغيره بلا حسم.

شهادةُ التاريخ : لا نهضةَ بغير ذات

ما من أمّةٍ بعثت نفسها في عالم الحضارة إلّا بالتمسّك بأصولها. فاليهودُ حين تفرّقوا في الأمم بقُوا يُحيون مجتمعهم القديم في أحيائهم فلم يذوبوا، بل استطاعوا بعد آلاف السنين أن يُعيدوا بعث لغتهم في عمليّةٍ تستوقف الباحث.

واليابانيّون حين أرسلوا بعثاتِهم إلى أوروبا، أُغروا هناك بالفلسفة والآداب الغربيّة، فكان تمييزُهم بين ما يُؤخذ من أدوات الغرب وما يُترك من رؤيته للعالم شرطَ نهضتهم.

بل إنّ روّاد النهضة الغربيّة أنفسهم أخذوا عن الإسلام وحضارته وهم يسبّونه؛ فمارتن لوثر الذي لا يجد الباحثون لدعوته ضدّ سلطة الكهنوت جذرًا إلّا الإسلام، كان من أشدّ الناس طعنًا في القرآن. وهذا يكشف أنّ الأخذ عن الآخر لا يستلزم الذوبانَ فيه.

مغالطةُ التحرّر : أن تخاصم الغربَ بمنهاجه

من أدقّ ما ينبّه إليه هذا الأصلُ أنّ المرء قد يكون شديدَ العداء للغرب وهو يسير على منهاجه نفسه. وقد رأينا ذلك في القوميّين العرب، شربوا القوميّة بمفهومها الغربيّ ثمّ وجّهوها ضدّه، وظنّوا أنّهم متحرّرون منه.

وحتى من كتب في «علم الاستغراب» ليواجه التغريب، تحرّك أحيانًا على قاعدة الغرب وهو يواجهه، حين قسّم تاريخَنا على مقاييس التقسيم الأوروبيّ للعصور. فالانطلاق من الإسلام هو ما يعصمنا من هذا التأثّر غير الواعي.

حكمةُ محمّد عبده

وقد أحسن الإمام محمّد عبده حين علّل ضرورةَ أن تكون النهضة ذاتيّة بقوله : «إذا كان الدينُ كافلًا بتهذيب الأخلاق، وصلاح الأعمال، وحملِ النفوس على طلب السعادة من أبوابها، ولأهله من الثقة فيه ما ليس لهم في غيره، وهو حاضرٌ لديهم، والعناءُ في إرجاعهم إليه أخفُّ من إحداث ما لا إلمام لهم به، فلِمَ العدولُ عنه إلى غيره؟!».

وصلةُ ذلك بالتدبّر

إن كانت الذاتُ أساسَ النهضة، فإنّ القرآن هو أساسُ الذات. ومن هنا كان التدبّرُ عملًا حضاريًّا لا وجدانيًّا فحسب : فبه تُستعاد المرجعيّة، وبه يتحرّر النظرُ من الاستعارة، وبه تُبنى الشخصيّة المستقلّة التي لا نهضةَ بدونها.


عرضٌ وتلخيصٌ من فريق «متدبرون» لمقالة «الذات الإسلامية أساس النهضة» للباحث في التاريخ والحضارة الإسلامية الدكتور محمّد إلهامي، ضمن سلسلته في تأسيس أصول علم الاستغراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *