الثقةُ في الله : يقينُ القلبِ بموعودِ الله

غلاف مقال — رسائل تدبرية — موقع متدبرون

الثقةُ بالله ليست شعورًا عابرًا يهجم على القلب في ساعة الشدّة ثمّ ينصرف، وإنّما هي حالٌ راسخةٌ تنشأ من معرفةٍ : معرفةِ العبد بربّه، بأسمائه وصفاته وسننه في خلقه. فمن عرف اللهَ وثِق به، ومن جهله تعلّق قلبُه بالأسباب وحدها فاضطرب كلّما اضطربت.

أصلُها في القرآن

يقول سبحانه : ﴿ومن يتوكّل على الله فهو حسبُه إنّ الله بالغُ أمره قد جعل الله لكلّ شيءٍ قدرًا﴾ [الطلاق : 3]. ففي الآية ثلاثةُ أركانٍ للثقة : أنّ الله كافٍ عبدَه، وأنّ أمره نافذٌ لا يُعجزه شيء، وأنّ لكلّ شيءٍ أجلًا مقدَّرًا لا يتقدّم ولا يتأخّر. فمن استقرّت هذه المعاني في قلبه سكن.

ويقول تعالى حكايةً عن نبيّه صلى الله عليه وسلم في أضيق موقفٍ مرّ به : ﴿لا تحزن إنّ الله معنا﴾. ولم يكن في الغار سببٌ ظاهرٌ يُطمئن، وإنّما كانت المعيّةُ وحدها هي السبب.

الثقةُ لا تُلغي الأخذ بالأسباب

من أعظم ما يُفسد هذا الباب أن يُفهم منه التواكلُ. والحقّ أنّ الثقة بالله هي ذروةُ الأخذ بالأسباب لا نقيضُه : فالنبيّ صلى الله عليه وسلم استأجر دليلًا، وتزوّد، واختبأ في الغار، ثمّ وثِق بالله. والأمّ في قصّة موسى عليه السلام صنعت التابوت وألقته في اليمّ، ثمّ وثِقت بوعد الله.

فالثقةُ تُصلح القلب أثناء العمل، وتُريحه بعد الفراغ منه؛ لأنّها تنقل العبدَ من سؤال «هل سينجح عملي؟» إلى سؤال «هل أحسنتُ ما كُلِّفتُ به؟».

ثمراتُها في حياة المتدبّر

سكونُ القلب عند تأخّر المطلوب، لعلمه أنّ التأخير قد يكون عينَ العطاء.

حسنُ الظنّ بالله في البلاء، فلا يُساء الظنُّ بالحكيم فيما لا يُدرَك وجهُ الحكمة فيه.

التحرّرُ من الخوف من الخلق، إذ من وثِق بمالك النفع والضرّ استغنى عمّن لا يملك لنفسه شيئًا.

الثباتُ على الطاعة، لأنّ العامل حين يوقن أنّ أجره عند الله محفوظٌ لا يضيع، لم يَعُد يقيس عملَه بما يراه من ثمرةٍ عاجلة.

كيف تُبنى؟

تُبنى الثقةُ بالله بثلاثة : بتدبّر أسمائه الحسنى حتى يعرف العبدُ من يتعامل معه؛ وبتذكّر آثار لطفه السابقة في حياته الخاصّة، فإنّ من دبّر أمرَك بالأمس لن يتخلّى عنك اليوم؛ وبمصاحبة القرآن، فإنّه يُعيد ترتيب نظر الإنسان إلى الأحداث فيراها من فوقها لا من تحتها.

﴿وعلى الله فليتوكّل المؤمنون﴾.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *