جمعُ القرآن الكريم وكتابتُه : كيف وصل إلينا الوحي؟

لا يستقيم تدبُّرُ القرآن دون وعيٍ بكيفيّة وصوله إلينا. فالمتدبِّر إنّما يقف على نصٍّ محفوظٍ بحفظ الله، مصداقًا لقوله تعالى ﴿إنّا نحن نزّلنا الذكرَ وإنّا له لحافظون﴾، وقد جرى هذا الحفظُ في التاريخ بأسبابٍ ووسائلَ يحسُن بالمتدبّر أن يعرفها.
معنى «الجمع» في القرآن
وردت لفظةُ الجمع في كتاب الله بمعنى الحفظ مع دقّة الترتيب، كما في قوله تعالى مخاطبًا نبيَّه صلى الله عليه وسلم : ﴿لا تُحرِّك به لسانَك لتعجلَ به * إنّ علينا جمعَه وقرآنَه * فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه * ثمّ إنّ علينا بيانه﴾ [القيامة : 16-19]. فالجمعُ إذن ليس ضمَّ الأوراق فحسب، بل حفظُ النصّ مرتَّبًا كما أُنزل.
أوّلًا : في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم
نزل القرآن مفرَّقًا على ثلاثٍ وعشرين سنة، وحُفِظ في عهد النبوّة بطريقين متلازمين :
الكتابة : فقد اتّخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم كُتّابًا للوحي يُملي عليهم ما ينزل، ويأمرهم بوضع الآية في موضعها من سورتها. ولم ينتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلّا والقرآن مكتوبٌ كلُّه، غير أنّه كان مفرَّقًا في الرِّقاع والعظام وعُسُب النخل.
الحفظُ في الصدور : وهو الأصل الأمتن، إذ تلقّاه كبارُ القرّاء من الصحابة مشافهةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقرّهم على النطق والأداء، ثمّ بلّغوه إلى من بعدهم بالسند نفسه. وبهذا صار القرآن الكتابَ الوحيد في الأرض المنقولَ بالتواتر جيلًا عن جيل.
ثانيًا : الجمع في مصحفٍ واحدٍ في عهد أبي بكر رضي الله عنه
لمّا استُشهد في وقعة اليمامة عددٌ كبيرٌ من حفظة القرآن، أشار عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه على أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه بجمع القرآن خشيةَ ذهابِ شيءٍ منه بذهاب حَمَلته. فتردّد أبو بكر أوّلًا لأنّه أمرٌ لم يفعله النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثمّ شرح الله صدره له.
وأُسنِد هذا المشروع الحضاريّ العظيم إلى الصحابيّ الجليل زيد بن ثابت الأنصاريّ رضي الله عنه، فجُمع القرآن من الرِّقاع والعظام والسَّعَف ومن صدور الرجال، بمنهجٍ في التوثيق بالغِ الدقّة. وبقيت الصُّحف عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثمّ عند عمر، ثمّ عند أمّ المؤمنين حفصةَ بنتِ عمر رضي الله عنهما.
ثالثًا : النسخُ العثمانيّة
ولمّا اتّسعت الفتوح واختلف الناس في وجوه القراءة، جمع عثمانُ بن عفّان رضي الله عنه الأمّة على مصحفٍ إمامٍ نُسخت منه نسخٌ أُرسلت إلى الأمصار، فحُسِم النزاع وبقي النصُّ واحدًا إلى يومنا هذا.
ثمرةُ ذلك للمتدبِّر
أنّ الذي بين يديك حين تفتح المصحف هو عينُ ما تلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يُزَد فيه حرفٌ ولم يُنقَص. وهذا اليقينُ هو أوّلُ مفاتيح التدبّر : فمن أيقن أنّه يقرأ كلامَ الله محفوظًا، قرأ قراءةَ من يُخاطَب، لا قراءةَ من يَطّلع على خبر.
تلخيصٌ وقراءةٌ من فريق «متدبرون» لمادّةٍ أصلُها للدكتور عليّ محمّد الصلّابي في «جمع القرآن الكريم وكتابته».