وفدُ نصارى نجران : حوارُ النبوّة مع أهل الكتاب

غلاف مقال — تاريخ وحضارة — موقع متدبرون

تقع نجرانُ في جنوب الجزيرة العربية ممّا يلي اليمن، وكان أهلُها نصارى لهم أساقفةٌ وأشرافٌ ومكانةٌ في العرب. وفي السنة العاشرة للهجرة قدِم منهم وفدٌ كبيرٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فكان لقاؤهم به من أبلغ ما تُدرَس فيه أخلاقُ النبوّة في محاورة المخالف.

جدالٌ طويلٌ بالتي هي أحسن

دار بين النبيّ صلى الله عليه وسلم والوفدِ جدالٌ مطوَّلٌ حول عيسى عليه السلام : حقيقةِ نشأته، ومعنى بنوّته المزعومة، ومنزلتِه بين الأنبياء. ولم يكن الجدال ارتجالًا ولا مغالبةً، بل كان بيانًا مستندًا إلى الوحي وإلى ما في أيديهم من كتاب، مع سعةِ صدرٍ في الاستماع، وإمهالٍ لهم حتى يتشاوروا.

وقد نزل في شأنهم صدرُ سورة آل عمران، وفيه تقريرُ الحقّ في عيسى عليه السلام : ﴿إنّ مَثَلَ عيسى عند الله كمثلِ آدمَ خلقه من ترابٍ ثمّ قال له كن فيكون﴾، ثم الدعوةُ إلى المباهلة : ﴿فمن حاجَّكَ فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالَوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم…﴾.

المباهلةُ التي لم تقع

دعاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة، وهي الابتهالُ إلى الله أن يُنزل لعنتَه على الكاذب من الفريقين. فلمّا خلا بعضُهم إلى بعض أدركوا أنّهم لو باهلوا لهلكوا، فامتنعوا. وفي امتناعهم شهادةٌ صامتةٌ منهم بصدقه صلى الله عليه وسلم، وإن لم تُثمر إسلامًا يومئذٍ.

الجزيةُ ثمّ الإسلام

انتهى الأمر إلى مصالحةٍ يؤدّون بها الجزية، وأرسل معهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أمينَ هذه الأمّة أبا عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه لجمعها. ويُذكر أنّ الإسلام انتشر فيهم بعد ذلك تدريجًا حتى أسلموا.

ما يُتدبَّر في هذه الحادثة

أوّلًا : كفايةُ الوحي؛ فقد نزل القرآن حاسمًا للنزاع في أدقّ مسائل الاعتقاد، وهو ما يرسّخ أنّ مصدر المعرفة عند المسلم مُحكَمٌ لا يحتاج إلى استعارةٍ من غيره.

ثانيًا : منهجيّةُ الحوار؛ فالمحاجّةُ قامت على العلم لا على الغلبة، وعلى الحجّة لا على الإكراه، مصداقًا لقوله تعالى ﴿ولا تجادلوا أهلَ الكتاب إلّا بالتي هي أحسن﴾.

ثالثًا : فقهُ التعامل مع المخالف؛ إذ أُنزلوا في مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأُمهلوا، وعُوملوا بالإنصاف حتى بعد رفضهم.

رابعًا : إدارةُ الدولة النبويّة؛ فالمصالحة والجزية وإرسالُ أمينٍ لجمعها كلُّها مظاهرُ تنظيمٍ سياسيٍّ ناضج.

خامسًا : أثرُ الأناة؛ فما لم يُثمر في مجلسٍ واحدٍ أثمر بعد حين، والدعوةُ زرعٌ لا يُستعجَل حصادُه.


تلخيصٌ وقراءةٌ من فريق «متدبرون»، والمادّة الأصل منشورةٌ على موقع «قصة الإسلام» ضمن سلسلة الوفود في السنة العاشرة للهجرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *