تهيئةُ معركة عين جالوت : حين سبقت التربيةُ السلاح

غلاف مقال — تاريخ وحضارة — موقع متدبرون

لم تكن معركةُ عين جالوت سنة 658هـ حدثًا عسكريًّا معزولًا، بل كانت ثمرةَ إعدادٍ طويلٍ سبق اللقاءَ بأشهر، وامتدّ من ساحة القرار السياسي إلى بيوت الناس وقلوبهم. وفي هذا الإعداد دروسٌ تتجاوز التاريخ إلى فقه التغيير وسننِ النهوض.

قرارٌ خالف المألوف : نقلُ المعركة إلى فلسطين

حين اجتمع المجلس العسكري لبحث مواجهة التتار، كان الرأي الغالب أن يبقى الجيشُ في مصر مدافعًا عن حدودها وانتظارَ العدوّ فيها. غير أنّ قطز رأى غير ذلك : أن يخرج بجيشه إلى فلسطين ليلقى التتار هناك. وقد صدم هذا الرأيُ الحاضرين أوّلَ الأمر، ثم تبيّنت وجاهتُه.

ومن وجوه ترجيحه أنّ العدوّ كان مرابطًا في الشام، فمواجهتُه في ميدانه أجدى من انتظاره؛ وأنّ نقل المعركة إلى أرض الخصم يوفّر للجيش خطَّ رجعةٍ آمنًا إن وقعت هزيمة، بخلاف ما لو وقعت داخل مصر فينفتح الطريق إلى القاهرة؛ وأنّ المبادرة تمنح المسلمين عنصرَ المفاجأة في اختيار زمان المعركة ومكانها؛ ثم إنّ نصرة المسلمين في الشام وما وراءه واجبٌ لا فضل، فالأمّة جسدٌ واحد لا تُقاس مصالحُه بحدود الأقطار.

أوّلُ القوّة : الإيمان

الدرس الأعمق في هذه المرحلة أنّ الإعداد لم يقتصر على السلاح والعتاد، بل بدأ بالإنسان. فقد سبقت المعركةَ حملةٌ تربويّةٌ واسعة شملت الجيشَ والشعبَ معًا : تذكيرٌ بأيّام الله ووقائع الأمّة، وتصحيحٌ للعلاقة بالله، وتهيئةٌ للنفوس على الجدّ والصبر وترك اللهو. لقد فُهِم أنّ الأمّة لا تُنصَر بعددها وعُدّتها وحدهما، وإنّما بما في صدورها من يقين.

وهذا هو موضعُ التدبّر : أنّ الآيةَ التي تُتلى والقلبَ الذي يتغيّر هما أصلُ كلّ نهوض، وأنّ إصلاح الظاهر فرعٌ عن إصلاح الباطن. فما استقامت لأمّةٍ حالٌ حتى استقامت لها قلوبٌ.

خمسةُ أشهرٍ من الإعداد

امتدّ التجهيز من ربيع الأوّل إلى رجب من سنة 658هـ : تنظيمٌ للجيش، ودراسةٌ لطريق سيناء ومسالكه، وتقديرٌ لقدرات العدوّ وأساليبه، وتوحيدٌ للصفّ الداخليّ. وهي مدّةٌ تكشف أنّ النصر المُعجِز في ظاهره كان مسبوقًا بأخذٍ دقيقٍ بالأسباب، فلا تعارض بين التوكّل والتخطيط، بل التوكّل ذروةُ الأخذ بالأسباب.

ما نستخلصه

أنّ القرار الصائب قد يخالف ما ألِفَه الناس، وأنّ سلامةَ النظر تُقاس بمآلاتها لا بألفتها؛ وأنّ وحدة الأمّة ليست شعارًا بل التزامٌ عمليّ؛ وأنّ بناء الإنسان مقدَّمٌ على بناء العتاد؛ وأنّ الأخذ بالأسباب عبادةٌ لا تنقص من التوكّل شيئًا.


هذه قراءةٌ وتلخيصٌ من فريق «متدبرون» لمادّةٍ أصلها مقالُ «فلسطين أرض المعركة – معركة عين جالوت» للأستاذ الدكتور راغب السرجاني، المنشور على موقع «قصة الإسلام». والمقال الأصل أوسع تفصيلًا، ويُرجع إليه لمن أراد الاستزادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *